ابن إدريس الحلي

56

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان

والأظهر ما قال الكسائي عند أهل اللغة . وقال بعضهم : سقيته ماء ، كقوله « وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » « 1 » وأسقيته سألت اللَّه أن يسقيه . وقال أبو عبيد : إذا سقاه مرة يقال سقيته ، وإذا سقاه دائما قال أسقيته . والانعام يعني الإبل والبقر والغنم . وقد استدل قوم بهذه الآية على تحليل النبيذ ، بأن قالوا : أمتن اللَّه علينا وعدده من جملة نعمه علينا ، أي : خلق لنا الثمار التي نتخذ منها السكر والرزق الحسن وهو تعالى لا يمتن بما هو محرم . وهذا لا دلالة فيه لأمور : أحدها : أنه خلاف ما عليه المفسرون ، لان أحدا منهم لم يقل ذلك ، بل التابعون من المفسرين قالوا : هو ما حرم من الشراب . وقال الشعبي منهم : أنه أراد ما حل طعمه من شراب وغيره . والثاني : أنه لو أراد بذلك تحليل السكر لما كان لقوله « ورزقا حسنا » معنى لان ما أحله وأباحه ، فهو أيضا رزق حسن ، فلم فرق بينه وبين الرزق الحسن ، والكل شيء واحد . وانما الوجه فيه أنه خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها ، فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم ، وتركتم ما هو رزق حسن . وأما وجه المنة فبالامرين معا ثابتة ، لان ما أباحه وأحله فالمنة به ظاهرة ليجعل الانتفاع به ، وما حرمه فوجه النعمة « 2 » أنه إذا حرم عليه وأوجب الامتناع ضمن في مقابلته الثواب الذي هو أعظم النعم ، فهو نعمة على كل حال .

--> ( 1 ) . سورة الدهر : 21 . ( 2 ) . في التبيان : المنة .